سهيلة عبد الباعث الترجمان

620

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

الذي قبل الضدين ، وتجلّى بالوضعين ، وتقيّد في الانطلاق ، وانطلق في التقييد ، فصدقت عليه جميع الاعتقادات ، ووقعت عليه جميع العبارات ، أحاط بالكون عدما ووجودا ، ووسع الأشياء كلها علما وعينا ، وذاتا وصفاتا ، ولم يسعه شيء « 1 » . ولذلك عمد إلى الرمز كوسيلة لتقريب المعاني للفهم باعتبار النقطة رمزا للذات ، فيرى بأنّ للذات مقتضيات هي حقائق الموجودات ، كذا النقطة فإن مقتضياتها هي حقائق الحروف والكلمات ، وكلها تنشأ عنها لبطونها فيها ، فهي للذات كالتجليات التي تتجلّى فيها الأسماء والصفات ، وهذا شأن الذات الإلهية ، فإن جميع الموجودات مما اقتضته الشؤون الذاتية ، ولأجل هذا كان الوجود كله تجليات في تجليات ، فنسبة الحروف من النقطة نسبة الصفات من الذات ، ونسبة الكلمات من الحروف نسبة الموجودات ، ونسبة المعاني من الكلمات نسبة التجليات الإلهية في مخلوقاته من غير حلول ، وكما أن المعنى لا يحلّ في الحرف ، فإن تجلي الحق في مخلوقاته لم يكن ذا حلول فيها « 2 » . وهكذا يتضح لنا أن الجيلي يصطنع الرمز في مذهبه ، إذ أن ما رمز إليه بالحروف يعني به ردّ كل أمر إلى الذات الإلهية ومقتضياتها الإسمائية والصفاتية ، فيكون الأمر أن الحق مبدأ الكل ومعاده وإليه يرجع الأمر كله « 3 » . وفي هذا قوله شعرا : لا تحسبنّ الحرف قام بنفسه * فقوامه بالنقطة الغرّاء . . . فجميع أجزاء الحروف مظاهر * للجوهر الفرد العليّ النائي . . . واجزم وقل إن الوجود جميعه * للواحدية مظهر الأجلاء فالكلّ منه ظهوره وبه بدا * وإليه يرجع آخرا بولاء فالواحد القهّار قام بوحدة * في كثرة التعداد والظهراء . « 4 » أما أخصّ خصائص الذات لدى الجيلي فهي عدم التقييد في ظهورها في الصورة الوجودية ، لذلك يقول بالتنزيه والتشبيه معا ، لأن اللّه سبحانه يظهر فيما يشاء

--> ( 1 ) الجيلي ، الكمالات الإلهية ، ورقة 22 ، ص أ . ( 2 ) الجيلي ، حقيقة الحقائق ، ورق 13 ، ص ب . ( 3 ) الجيلي ، مرآة العارفين ، مخطوط مكتبة الأزهر بالقاهرة ضمن مجموعة ورقة 9 . ( 4 ) الجيلي ، حقيقة الحقائق ، ورقة 2 ، ص . ص أ - ب .